السلام الراكد.. والدولة المستحيلة جيهان فوزي
يسابق رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت الزمن حتي ينجز سلاما مع الفلسطينيين مهما كان الثمن ومهما كان توصيفه، ويبدو انه اراد توديع حياته السياسية بشيء من التميز فيما يخص علاقته بالفلسطينيين، فقد كلف ألمرت صديقه رجل الاعمال اليهودي الامريكي دانييل ابراهام بمهمة وساطة لاقناع الرئيس عباس بالتوصل خلال الاسابيع القليلة المقبلة إلي اتفاق علي مسودة للتسوية الدائمة تستثني القدس والاغوار وحق العودة، لكن المساحة التي تعرضها إسرائل للدولة الفلسطينية لا تتعدي الـ 60% من الاراضي المحتلة عام 1967، وليس كما تدعي اسرائيل 93% اذ ان إسرائيل تحتسب مساحة الضفة الغربية من دون القدس ومنطقة الأغوار والمستوطنات.
الحكومة الاسرائيلية تخطط وبتعليمات من أولمرت بترتيبات امنية من خلال وثيقة اعدتها شعبة التخطيط في القيادة العامة قدمتها إلي الادارة الامريكية وتريد ادراجها في اي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين، وهي بذلك تهدف من تقديم هذه الوثيقة إلي الحصول علي تعهد امريكي بتبنيها وفرضها في اي اتفاق مستقبلي.
الوثيقة التي تريد إسرائيل اعتمادها من الادارة الامريكية تشمل الترتيبات الأمنية التي تطالب بها بأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح او منعها من عقد تحالفات مع اي دولة أخري، ونشر محطات إنذار إسرائيلية في المناطق الفلسطينية واستمرارها في السيطرة علي المجال الجوي للدولة الفلسطينية والحصول علي ممرات خاصة تتيح لها التوغل في عمق الاراضي الفلسطينية وقت الحاجة.
ويبرر ان اختيار أولمرت لرجل اعمال الامريكي المعروف بعلاقته الجيدة مع العالم العربي ونفوذه البارز في الادارة الامريكية، يوحي بهذا المعني لترسيخ ما يريده أولمرت بكل قبل ان يودع حياته السياسية المليئة بقضايا الفساد والرشاوي والنصائح السياسية لذا فهو إلي جانب هذه الوساطة يسعي جاهدا لعقد لقاء قمة ثلاثي مطول مع كل من الرئيس الامريكي جورج بوش والرئيس الفلسطيني محمود عباس، يجري فيه التفاهم علي القضايا العالقة، والتوصل إلي اتفاق سلام كامل في غضون الاسابيع القريبة القادمة.
لقد حاول رجل الاعمال الوسيط ابراهام اقناع أبومازن بأن الاتفاق مع أولمرت حتي لو لم يكن قابلا للتنفيذ فورا فإنه سيكون بمثابة وثيقة تاريخية بالغة الاهمية يحظي بدعم مباشر من الادارة الامريكية وبقية دول الغرب والاتحاد الاوروبي والدول العربية، اذ سيكون قاعدة للانتخابات الداخلية في كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ينتخب اساسها القادة الجدد الذين سيتولون زمام الامور بعد أولمرت وأبومازن.
ورغم ان مثل هذه الاتفاقات ان حدثت لن تمر مرور الكرام. فالمعارضة من الجانبين شرسة. ولن تتقبل اي تنازل خاصة فيما يخص القدس واللاجئين والذي سارع أولمرت باقتراح جديد فيما يخص تفادي مناقشة هذين الامرين باعطاء مساحة أكبر من الضفة الغربية نفسها "95 - 96%" ويعوض بها عن بقية الأرض "4 - 5%" ليس فقط قرب غزة بل ايضا في جنوب الضفة الغربية، لكن في المقابل فإن مطالب أولمرت مستعصين علي القبول فهو يطالب أبومازن باظهار مرونة في موضوع عودة اللاجئين بحيث يكون حل قضيتهم بزيادة التعويضات المالية وتقليص حق العودة، وهذا في حد ذاته لغم قابل للانفجار لا احد يعلم مداه اذا ما حدث واغلب الظن انه لن يحدث تهجير اللاجئين وقضيتهم، ليست مرتبطة بقرارات عباس ولا يستطيع تحمل مسئولية تبعاتها امام شعبه وامام المسئولية التاريخية التي ستكون في انتظاره.
وان كانت المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليست هدفا بحد ذاتها، وانما وسيلة من اجل انهاء الاحتلال الاسرائيلي، فإن ثمن احتمالا قائما ان تبقي تدور في حلقة مفرغة، رغم الاستعداد الفلسطيني للاستمرار فيها انطلاقا من مبدأ انها لن تبقي مفتوحة للأبد، لكن اضعف الايمان هو السبيل الوحيد المتاح حاليا، وان كانت تمر بمراحل مستعصية ومنعطفات حادة لم تقدم اي حلول خلال السنوات الماضية، وأغلب الظن انها ستبقي كذلك لسنوات قادمة، خاصة وان إسرائيل لديها المبررات الجاهزة، والتي تأتي علي رأسها سيطرة حماس علي قطاع غزة والتي هي من وجهة نظرها منظمة ارهابية لا تمثل المصلحة القومية للشعب الفلسطيني، بل تثمل المصالح الإيرانية، وفي هذه الحالة لا يمكن لإسرائيل ان تتيح لها ان توسع نفوذها إلي الضفة الغربية او حتي ان تواصل حكمها في القطاع، لانها تهدد المصالح الإسرائيلية.
وفي هذه الحالة مطلوب من الفلسطينيين للمرة المليون اغلاق ملف الجرح الفلسطيني الذي مازال ينزف واعاد القضية الفلسطينية إلي عشرات السنوات للوراء بعد ان كانت تتصدر الاهتمام الدولي والعالمي، فحال الانقسام والحسم العسكري الذي حدث في غزة قبل أكثر عام وصمة عار في جبين القضية وتاريخها المشرف منذ بداية المقاومة وسقوط الشهداء واحدا تلو الآخر، فكيف يكون هناك مفاوضات مجدية وحديث عن دولة مستقلة وعودة لاجئين والوضع الفلسطيني الداخلي مهلهل لا يمكن لملمته بأي حال، بل المؤشرات جميعها تنذر بما هو أسوأ الأمر الذي لا يدعو إلي اي نوع من التفاؤل ويعطي الفرصة لإسرائيل لفعل المزيد والأكثر سوءا
كتبها حسن عثمان في 07:39 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: حسن عثمان
